كريم نجيب الأغر

131

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ويفهم من كلامنا أن اختيار كلمة « مستودع » يشير إلى إعجاز علمي يتجلى في معرفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن النطف تتخلّق قبل أن تخرج بكثير ، وأنها توضع في مخابئ تحفظها من التلف مع السائل المنوي ( أو الماء الدافق ) إلى أن يحين وقت خروجها « 1 » . وتعليقا على تسمية « المستودع » ، نشير إلى أن هذه التسمية جامعة ؛ فهي تشير على حدّ سواء إلى الخصية أو إلى المبيض ، كما أنها تشير إلى أن النطف تحفظ في مكان آمن لفترة من الوقت لا يستهان بها ، وأن هذه النطف تخرج من هذا المكان في

--> ( 1 ) فائدة : قد يفهم البعض أن « المستودع » المذكور في الآية : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) [ الأنعام : 98 ] يشير إلى الرحم وليس إلى الخصية أو المبيض ، وذلك لأن النطف تحفظ لفترة مؤقتة في الرحم كما تحفظ لفترة ما في الخصية أو المبيض . والحق يقال : إن هذا غير صحيح ، فالنطفة عندما تستقر في الرحم تصبح شيئا يذكر لأن الأم والأب يعطيانها عندئذ العناية الفكرية الفائقة ، أضف إلى ذلك أن حجم النطفة يتضخم فتصبح فيما بعد شيئا محسوسا لا يمكن تجاهله ، والوديعة التي توضع في المستودع لا تتغير طبيعتها . أما في حالتنا هذه فالنطفة سرعان ما تخرج عن طبيعتها في الرحم ، ولذلك لا يمكن أن نطلق تسمية « المستودع » على الرحم ، وما قاله ابن عباس والألوسي وابن تيمية - رحمة اللّه عليهم - يستدل به لمعرفة ما ترمي إليه الآية ، فقد جاء في تفسير الألوسي - ( ج 7 / ص 235 ) : ( وأخرج جماعة منهم الحاكم وصحّحه من طرق عن ابن عباس - رضي اللّه تعالى عنهما - أن المستقر الرحم ، والمستودع الأصلاب [ ولا يشترط الأخذ باجتهاد ابن عباس رضي اللّه عنهما لأنه اجتهاد ، ويتعلّق بالقضايا الكونية ، وهي تحتاج إلى وسائل تقنية للوصول إلى معرفتها ، وهذا لم يكن موجودا في عصر الصحابة - رضوان اللّه تعالى عليهم - ، وهذا ليس أمرا توقيفيا بمعنى التوقف فيه ] . وجاء في رواية أن حبر مدينة تيماء كتب إليه يسأله رضي اللّه تعالى عنه عن ذلك فأجابه بما ذكر . ويؤيد تفسير المستقر بالرحم قوله تعالى : وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [ الحج : 5 ] وأما تفسير المستودع بالأصلاب فقد قال شيخ الإسلام : إنه ليس بواضح . وليس كما قال ، فقد ذكر الإمام بعد أن فرق بين المستقر والمستودع « بأن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع ، ومما يدل على قوة هذا القول - يعني المروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما - أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زمانا طويلا والجنين يبقى زمانا طويلا ، ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى » . ويلزم ذلك أن حمل الاستيداع على المكث في الصلب أولى ) . ( أي في المبيض أو الخصية أولى ) ، وإذا قسنا ذلك على العلم فإن النطفة تمكث في الرحم 266 يوما ، وأما الحيوان المنوي فيحتاج إلى 72 يوما تقريبا لكي يتخلق ، وإلى 12 - 21 يوما ليرتحل عبر قنيوات البربخ إلى أعلى الخصية ( الآيات العجاب في رحلة الإنجاب ، د . حامد أحمد حامد ، ص 51 ، بتصرف ) ، أي ما مجموعه 88 يوما ، وإذا أضفنا إلى ذلك مدة مكوثه في أعلى الخصية ( شهر على أبعد تقدير ، ريثما يقذف الرجل النطف بالاتصال أو الاحتلام ) فيصبح مجموع مكوثه في الخصية ابتداء من أول يوم يبدأ تخلق الحيوان المنوي 120 يوما تقريبا ، وهذا أقل بكثير من 266 يوما - مدة مكوث النطفة في الرحم - .